مؤيد الدين الجندي
631
شرح فصوص الحكم
قال - رضي الله عنه - : « ثم جاءت الشرائع كلها بما تحكم به الأوهام ، فلم تخل الحقّ عن صفة يظهر فيها ، كذا قالت ، وبذا جاءت ، فعملت الأمم على ذلك ، فأعطاها الحقّ التجلَّي ، فلحقت بالرسل وراثة ، فنطقت بما نطقت به رسل الله * ( الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَه ُ ) * « 1 » ف « الله أعلم » موجّه : له وجه بالخبرية إلى رسل الله [ وله وجه بالابتداء إلى « أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَه ُ » ] . بمعنى أنّ قولهم « 2 » : * ( لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ الله ) * « 3 » يعني هذا الرسول ، وتمّ كلام القوم ، وابتدأ برسل الله ، ثم حمل « الله أعلم » على « رسل الله » ، بمعنى أنّ رسل الله هم الله ، فإنّه هويّتهم وهم صورته ، وهو من حيث هو أعلم حيث يجعل رسالاته ، فجعل الله هوية رسله ، فكان تشبيها في عين تنزيه . والوجه المشهور ظاهر « 4 » ، وفي تسويغ هذا الوجه دقّة وتلطَّف ، فتدبّره بفهمك الثاقب ولذلك قال : « وكلا الوجهين حقيقة فيه ، لذلك قلنا بالتشبيه في التنزيه وبالتنزيه في التشبيه » فإنّك إذا حملت « الله أعلم » على « رسل الله » ، نفيت الغيرية ، فأثبتّ الوحدة الحقيقية ، كقوله عليه السّلام : « هذه يد الله » وأشار إلى يمينه المباركة صلَّى الله عليه وسلم فأوّل أهل الحجاب ، وآمن أهل الإيمان ، وكشف أهل الشهود والعيان أنّ يده عليه السّلام هي عين يد الله العليا في قوله : * ( يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) * « 5 » رأي عيان ، فافهم . قال - رضي الله عنه - : « وبعد أن تقرّر هذا ، فنرخي الستور ونسدل « 6 » الحجب على عين المنتقد والمعتقد ، وإن كانا من بعض صور ما تجلَّي فيها الحق ، ولكن قد أمرنا بالستر » . يعني - رضي الله عنه - : لهم وعنهم وفي نظرهم وبموجب زعمهم ، « ليظهر تفاضل
--> « 1 » الأنعام ( 6 ) الآية 124 . « 2 » والمراد أنّ « قولهم » اسم أنّ و « لن نؤمن » إلى « أوتى » خبر أنّ و « رسل اللَّه » مبتدأ . وقوله : « يعني » تفسير للضمير المستتر في « أوتي » وتم كلام القوم أي تمّ كلامهم عند « أوتى » ورسل اللَّه خارج عن كلامهم . « 3 » الأنعام ( 6 ) الآية 124 . « 4 » أي « وله وجه بالابتداء إلى أعلم » . « 5 » الفتح ( 48 ) الآية 10 . « 6 » يجوز فيه الثلاثي والتفعيل والإفعال .